الحلبي
443
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
قط فقلت لا ، فتبسم صلى اللّه عليه وسلم واستغفر لي ، أي فكان يأتي بالأول حيث لا يكون المقام يقتضي الاقتصار على السكوت ، ولعل هذا في غير رمضان . فلا يخالف ما رواه البزار عن أنس رضي اللّه تعالى عنه قال : « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذ دخل شهر رمضان أطلق كل أسير وأعطى كل سائل » وبين الشيخ ابن الجوزي في النشر سبب إلحاح هذا السائل ، فقال : « إن النبي صلى اللّه عليه وسلم أهدي إليه قطف عنب قبل أوانه ، فهمّ أن يأكل منه ، فجاءه سائل فقال : أطعموني مما رزقكم اللّه ، فسلم إليه ذلك القطف ، فلقيه بعض الصحابة فاشتراه منه وأهداه للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، فعاد السائل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فسأله فأعطاه إياه ، فلقيه رجل آخر من الصحابة فاشتراه منه وأهداه للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، فعاد السائل فسأله فانتهره وقال : إنك ملحّ » قال : وهذا سياق غريب جدا ، وهو معضل . وقيل سبب ذلك غير ذلك ، من ذلك الغير « أن جبريل عليه السلام لما قال له صلى اللّه عليه وسلم : ما حبسك عني ؟ قال : كيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم ، ولا تنقون براجمكم ، ولا تأخذون شعوركم ، ولا تستاكون » . أقول : واختلاف هذه الأسباب ظاهر في أن الواقعة متعددة . ولا ينافيه قوله : ونزلت : أي آية سورة الضحى ردا عليهم في قولهم إن محمدا قلاه ربه وتركه ، وهي ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ( 3 ) [ الضّحى : الآية 3 ] أي ما قطعك قطع المودع ، وما أبغضك ، لأنه يجوز أن يكون مما تكرر نزوله لاختلاف سببه . ويمكن أن يقال : يجوز أن تكون الواقعة واحدة وتعددت أسبابها . ولا ينافيه إخبار جبريل عليه السلام تارة بأن سبب احتباسه عدم قص الأظفار وما ذكر معه ، وتارة بأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ، وتارة بقوله : وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ [ مريم : الآية 64 ] كما يأتي قريبا ، وكما سيأتي في قصة الإفك ، لكن قال الحافظ ابن حجر : قصة إبطال جبريل بسبب الجرو مشهورة ، لكن كونها سبب نزول الآية أي ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ( 3 ) [ الضّحى : الآية 3 ] غريب فالمعتمد ما في الصحيح هذا كلامه . أقول : ومما يدل على أن واقعة الجرو كانت بالمدينة ما في بعض التفاسير أن هذا الجرو كان للحسن والحسين رضي اللّه عنهما ، وما رواه مسلم عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت : « واعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جبريل عليه السلام في ساعة أن يأتيه ، فجاء تلك الساعة ولم يأته فيها ، قالت : وكان بيده عصا فطرحها من يده وهو يقول : ما يخلف اللّه وعده ولا رسله ، ثم التفت فإذا كلب تحت السرير ، فقال : متى دخل هذا الكلب ؟ فقلت : واللّه ما دريت به ، فأمر به فأخرج ، فجاء جبريل عليه الصلاة والسلام ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : وعدتني فجلست لك ولم تأت ؟ فقال : منعني الكلب الذي كان في بيتك ، إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة » .